بعد انتهاء مونديال 1958 وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه مضطراً للعودة إلى مسقط رأس المونديال أو بالأحرى إلى أمريكا الجنوبية
خاصة بعد تذمر دول القارة الأمريكية من تنظيم أوروبا لدورتين متتاليتين، وحصلت على شرف استضافة كأس العالم هذه المرة تشيلي، وعلى الرغم من الموارد الاقتصادية الضعيفة، فقد أعلن الرئيس التشيلي وقتها أن الحكومة المحلية في البلاد ستقدم قصارى جهدها لتنظيم بطولة تفتخر بها دول أمريكا الجنوبية جميعها وليست تشيلي فقط.
الزلزال وكارلوس ديتبورن
حاول التشيليون أن يسخّروا كل قدراتهم وإمكانياتهم من أجل تنظيم وإنجاح كأس العالم، ولكن حدث ما لم يتوقعه أحد، إذ ضرب زلزال قوي الأراضي التشيلية بلغ 9.5 ريختر عام 1960 وهو ما أصاب البلاد بالدمار وأصاب جهود اللجنة المنظمة بالشلل الأمر الذي دعا الجميع وفي مقدمتهم الاتحاد الدولي لكرة إلى رفع الحرج عن حكومة تشيلي ومحاولة سحب التنظيم منها ومنحها إلى دولة أخرى في قارة أمريكا الجنوبية، وبالفعل كانت الأرجنتين هي أقرب الدول للحصول على شرف التنظيم، وكادت تشيلي أن تستسلم للأمر الواقع خاصة أنها لم تكن لتتحمل نفقات إضافية من أجل إعادة إعمار ما دمره الزلزال.
استسلمت تشيلي كلها تقريباً إلا رجل واحد فقط هو كارلوس ديتبورن رئيس اللجنة المنظمة للبطولة الذي رفض التنازل عن شرف التنظيم وأطلق عبارة شهيرة خلدها التاريخ إلى يومنا هذا بعد أن أصبحت شعاراً رسمياً للبطولة بل نهج سار عليه كل التشيليون وقتها إذ قال: "لأننا لا نملك أي شيء، فسوف نفعل كل ما في وسعنا لإعادة البناء من أجل استضافة المونديال".
كلمات بسيطة ولكن كان لها أكبر الأثر في نفسية الشعب التشيلي الذي نجح بالفعل في أن ينظم البطولة في الوقت والموعد المحدد حيث انطلقت البطولة في الثلاثين من أيار – مايو عام 1962، ولكن للأسف تجسدت قمة الدراما الإنسانية قبل انطلاق المونديال بشهر عندما توفي ديتبورن الأب الروحي لهذه البطولة، الأمر الذي أصاب الشعب التشيلي بالحزن الشديد فدفع اللجنة المنظمة إلى أن تخلد اسم الرجل بإطلاقه على الإستاد الذي استضاف مباريات المجموعة الأولى التي أقيمت في مدينة أريكا الساحلية وضمت منتخبات الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وأوروغواي وكولومبيا.
بطولة المجنسين
ويمكن إطلاق لقب "بطولة المجنسين" على مونديال تشيلي 1962 إذ شهدت البطولة ثلاث حالات تجنيس كان أبطالها جوزيه ألتافيني الملقب بـ مازولا والذي لعب للبرازيل في مونديال 1958 وإيطاليا في كأس العالم 1962، وأيضاً خوسيه سانتاماريا الذي شارك مع منتخب الأوروغواي في كأس العالم 1954 ثم مع إسبانيا في مونديال 1962.
أما المفاجأة الكبرى والتي أذهلت الجميع فكانت تخلي بوشكاش نجم وبطل المجر وأحد رموزها عن منتخب بلاده وانضمامه إلى المنتخب الإسباني ليشارك مع إسبانيا في مونديال تشيلي بعد أن قاد المجر إلى نهائي مونديال "سويسرا 1954".
ولكن المثير أن بوشكاش المجري نجم نجوم مونديال 1954 كان مختلفاً تماماً عن بوشكاش الإسباني إذ فشل في قيادة منتخبه الجديد الذي ودع البطولة مبكراً من الدور الأول.
راقصو السامبا واستمرار التفوق
ولا يستطيع أحد أن يمر على مونديال 1962 إلا ويتوقف أمام منتخب البرازيل الذي واصل التألق وسيطر تماماً على مجريات البطولة وتألق منذ مباراته الأولى وحتى مباراة الختام عندما قبض للمرة الثانية على التوالي على اللقب، إذ افتتح منتخب البرازيل مسيرته بالفوز على المكسيك بهدفين دون رد أحرزهما زاغالو وبيليه ثم تعادل مع تشيكوسلوفاكيا المتألقة بشدة في هذه البطولة بدون أهداف قبل أن يتخطى إسبانيا بهدفين مقابل هدف أحرزهما أماريلدو.
وفي الدور ربع النهائي اكتسح البرازيليون المنتخب الإنكليزي بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد وأحرز غارينشيا هدفين وفافا هدف، وصعد المنتخب البرازيلي إلى نصف النهائي فاصطدم بعقبة أصحاب الأرض ولكن مهارات راقصي السامبا كانت أقوى من أي شيء، إذ فاز البرازيليون بأربعة أهداف أحرزها مناصفة كل من غارينشيا وفافا مقابل هدفين، ليصعد المنتخب البرازيلي إلى النهائي للمرة الثانية على التوالي فتقابل مع منتخب تشيكوسلوفاكيا مرة أخرى ولكن هذه المرة لم يصمد المنتخب التشيكوسلوفاكي فخسر بثلاثة أهداف برازيلية سجلها أماريلدو وزيتو وفافا مقابل هدف وحيد.
والطريف أن المنتخب البرازيلي تعامل مع البطولة بمنطق (التفاؤل والتشاؤم) إذ أنه لم يغير في تشكيلة الفريق الذي فاز ببطولة 1958 فاللاعبون هم نفس اللاعبين ولم يتم إضافة أي لاعب جديد عليهم سوى أورلاندو، كما كان رئيس البعثة هو نفسه إضافة إلى ارتداء نفس القمصان التي خاض بها راقصو السامبا مونديال 1958.
كان البرازيليون ينظرون إلى كرة القدم ليس فقط على أنها لعبتهم الشعبية الأولى ولكن على أنها قضية أمن قومي لدرجة دفعت الرئيس البرازيلي وقتها جواو غولارت الرئيس الرابع والعشرين في تاريخ البرازيل والتي تولى رئاسة الجمهورية في الفترة من عام 1961 وحتى عام 1964 إلى القول : " نحن شعب لا يمتلك أرزاً أو خبزاً ولكن عنده بيليه وغارينشيا وأماريلدو وكأس العالم وهذا هو المهم".
العودة إلى مهد كرة القدم
وكان الفيفا قد قرر خلال جمعيته العمومية التي عقدت في آب – أغسطس عام 1960 تنظيم كأس العالم في إنكلترا مهد كرة القدم في العالم احتفالاً بمرور مئة عام على بدء ممارسة كرة القدم بالشكل المتعارف عليه حالياً وذلك بعد أن سنت الحكومة الإنكليزية القوانين الخاصة بذلك ثم أنشأت الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم في السادس والعشرين من تشرين أول – أكتوبر عام 1863 للعمل على إدارة شؤون اللعبة.
ويعتبر مونديال 1966 هو أول كأس عالم يتم اعتماد تعويذة خاصة به لجلب الحظ للمنتخبات المشاركة وللبطولة بوجه عام وكانت هذه التعويذة هي "الأسد ويلي" وهو عبارة عن أسد له ابتسامه جذابة يرتدي لباس كرة قدم وعليه شعار الاتحاد الإنكليزي.
وقبل أن تنطلق البطولة شهدت حدثاً فريداً من نوعه، إذ سُرقت كأس البطولة وفشلت أجهزة الأمن في إنكلترا من أن تعثر عليه بشتى الطرق فما كان من الاتحاد الإنكليزي إلا أن قام بصناعة نسخة أخرى مشابهة للنسخة الأصلية، وكاد أن يستخدم هذه النسخة بالفعل، إلا أن الكلب بيكلز كان له رأي آخر، بعد أن تمكن من العثور على الكأس المسروقة تحت بعض الشجيرات خارج لندن.
أما الكأس المقلدة فقد وضعها الاتحاد الإنكليزي في المتحف الوطني لكرة القدم في بريستون.
انسحاب أفريقيا
وشهد مونديال 1966 أول حالة خلاف شديدة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم وبين أحد الاتحادات القارية بسبب نظام عدد المقاعد الممنوحة إلى القارات المختلفة للمشاركة في النهائيات.
فقبل انطلاق تصفيات مونديال 1962 وضع الفيفا نظام التأهل إلى المونديال حيث منح مقاعد مباشرة لقارات أوروبا وأمريكا الجنوبية وأميركا الشمالية والوسطى، ثم أعطى نصف مقعد لأفريقيا بمعنى أن المنتخب الفائز بالتصفيات الأفريقية يتعين عليه أن يلعب مباراة فاصلة مع بطل تصفيات آسيا وأوقيانوسيا وهو ما أصاب الأفارقة بالغضب، إذ رأى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أنه يستحق أن يحصل على مقعد مستقل في المونديال، وأدى هذا الاختلاف إلى انسحاب الاتحاد الأفريقي اعتراضاً على قرار الفيفا، وسبحان مغير الأحوال إذ تحولت البطولة التي كانت تستجدي المنتخبات المختلفة للمشاركة فيها، بل كان الاتحاد الدولي ينفق الغالي والنفيس من أجل جذب الدول للاشتراك فيها عملاًً على إنجاحها إلى أكبر مسابقة عالمية، تتصارع الدول المختلفة للمشاركة فيها من خلال تصفيات صعبة وشاقة وطويلة.
وشهدت هذه البطولة مشاركة رقم قياسي للمنتخبات في التصفيات حيث شارك 70 منتخباً في المباريات التأهيلية، التي انتهت بصعود تسعة منتخبات من أوروبا هي فرنسا وألمانيا الغربية وإسبانيا وسويسرا والبرتغال والمجر وبلغاريا إضافة إلى الاتحاد السوفيتي وإيطاليا، وأربعة منتخبات من أمريكا الجنوبية هي الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وتشيلي ومنتخب من أمريكا الشمالية هو المكسيك وممثل آسيا منتخب كوريا الشمالية إضافة إلى منتخب إنكلترا مستضيف البطولة.
مفاجآت وأحداث مثيرة
وكمعظم البطولات السابقة لم تخل فعاليات كأس العالم 1966 من المفاجآت والأحداث المثيرة ومن النتائج اللافتة أثناء البطولة، حيث اعتبر الدور الأول هو مجزرة الكبار بحق بعد أن شهد خروج عدة منتخبات عالمية ووداعها المنافسات من دور المجموعات بغرابة شديدة، فالمنتخب الفرنسي خرج محملاً بالخزي والعار بعد أن تذيل المجموعة الأولى كذلك منتخب البرازيل الذي دفع ثمن إصابة أسطورته بيليه غاليا وودع البطولة بعد أن حصل على المركز الثالث في المجموعة الثالثة أما منتخب إيطاليا فقد أطاح به منتخب كوريا الشمالية المغمور عندما فاز عليه بهدف دون رد والطريف أن بعثة الأزوري عادت إلى أرض الوطن في رحلة طيران سرية خوفاً من الجمهور الإيطالي الغاضب ومن الصحفيين الذين كانوا يعدون العدة لاستقبال حافل بالنقد والتجريح عقاباً على الخروج المهين لحامل لقب النسختين الثانية والثالثة من المونديال.
المصدر:الجزيرة الرياضية